القاضي عبد الجبار الهمذاني
121
المغني في أبواب التوحيد والعدل
قيل له : لو لم يكن ممكنا كما ذكرته ، لما صح أن يستفسده ؛ كما أنه لو لم يكن كذلك ، لما صح أن يقوّى دواعيه إلى الفساد . فكما أن الدواعي تحصل نابتة « 1 » من التمكين وتابعة له ، فكذلك القول في المفسدة إنها تقع تابعة للتمكين وتحل « 2 » محل الدواعي . يبين ما ذكرناه أن هذا العبد الّذي قد تمكن من المضي على سنن الطاعة وطريقة المصلحة ، يقبح منه أن يتكلف في نفسه دواعي الفساد ، ويجلب إلى قلبه ما يكون أقرب إلى فعله ؛ بل الواجب عليه أن يتحرز من ذلك ويبعد منه ، كما أن الّذي يفعله من ذلك يقع بعد التمكين ويقبح منه ، وإن كان ممكنا بسائر وجوه التمكين . فكذلك القول في فعل غيره به . وهذه الجملة تبين أن ما حل هذا المحل يكون استفسادا . فإن قال : فدلوا على أنه يقبح من فاعله ؛ لأنا وإن سلمنا أنه استفساد ، فإنا نقول إنه قد يحسن من فاعله ، لأنه تعالى إذا كان قد مكن المكلف من المصلحة بسائر وجوه التمكين وعرفه ماله فيها من المنافع ، فكيف يقبح منه هذا الفعل ؟ قيل له : إنه قد ثبت في العقل أن المفسدة قبيحة ، كما ثبت فيه أن الظلم قبيح ؛ فهو أصل في المقبحات العقلية . وإنما يلتبس الحال في تفصيله وبيان صفته ، كما يلتبس حال صفة الظلم وما به بتمييز عن غيره . فكما أنا إذا بينا من حال الضرر أنه بصفة الظلم استغنينا من بعد عن الدلالة على قبحه ، من حيث تقرر في العقل قبحه ضرورة ؛ فكذلك متى بينا صفة المفسدة وما بها تتميز عن غيرها ، فواجب أن نحكم بقبحها « 3 » لما يقتضيه العقل / على الجملة .
--> ( 1 ) غير واضحة في الأصل لأنها غير منقوطة . ( 2 ) في الأصل « أنه يقع تابعا للتمكين ويحل الخ » . ( 3 ) في الأصل : « وما به يتميز عن غيره : فواجب أن نحكم بقبحه » .